Monday, February 25, 2019

قد تؤخر الابتكارات التكنولوجية الحديثة انهيار الحضارات

واقترح البعض دراسة الاتجاهات التي قادت الأمم السابقة إلى الانهيار، والبحث عن عوامل شبيهة لها في المجتمعات الحديثة.
صحيح أنه لا توجد نظرية مقبولة عن العوامل التي تدفع الحضارات إلى الانهيار، لكن المؤرخين وعلماء الإنسانيات وغيرهم طرحوا بعض التفسيرات، منها:
تغير المناخ: قد يترتب على تغير المناح تداعيات كارثية، مثل نقص المحاصيل الزراعية، والمجاعات، والتصحر. وقد لوحظ أن انهيار حضارات أناسازي وتيواناكو، والإمبراطورية الأكدية وحضارة المايا والإمبراطورية الرومانية، قد تزامن مع تغيرات مناخية مفاجئة تمثلت في موجات جفاف.
التدهور البيئي: عندما يفوق استهلاك المجتمعات للموارد الطبيعية قدرة الأرض على تجديدها فستكون النتيجة تدمير البيئة. وأشار الكثير من الباحثين إلى أن القطع الجائر للأشجار وتلوث المياه وتدهور التربة وفقدان التنوع الحيوي، كلها عوامل تعجل بانهيار الحضارات.
انعدام المساواة وحكم الأقلية: التفاوت في توزيع الثروات والمشاركة السياسية، وكذلك انحصار السلطة في يد قلة من الناس والمركزية في اتخاذ القرارات من أهم العوامل التي تؤدي إلى انفراط عقد المجتمع وتمزقه، وفوق ذلك، تعوق قدرة أفراده على الاستجابة للمشكلات البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
وتشير دراسات إحصائية عن مجتمعات سابقة إلى أن العنف السياسي رديف التزايد السكاني وانعدام المساواة. وكلما زاد عدد السكان، فاق المعروض من العمالة معدل الطلب عليها، وتراجعت أجور العمال وبالتالي ازداد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا. وهذا التفاوت في توزيع الثروات يؤدي إلى تفكك المجتمع وظهور الاضطرابات السياسية.
تعقيد المجتمع: يرى المؤرخ والخبير جوزيف تينتر أن المجتمعات تنهار تحت وطأة التعقيد والتشابك والبيروقراطية. فالمجتمعات تزداد تعقيدا وتشعبا كلما واجهت مشكلات جديدة. لكن مردود التطور والتعقيد يقل تدريجيا ويقود البلاد إلى الانهيار.
ويقاس تعقيد المجتمعات بمعيار عائد الطاقة المستثمرة، وهي النسبة بين حجم الطاقة المنتجة من الموارد الطبيعية والطاقة المطلوبة لاستخراجها. ولاحظ العالم السياسي توماس هومر ديكسون أن التدهور البيئي في الإمبراطورية الرومانية أدى إلى تراجع عائد الطاقة المستثمرة ومن ثم سقوط الإمبراطورية.
صدمات خارجية: ويقصد بها الحروب والكوراث الطبيعية والمجاعات والأوبئة. إذ دمر الغزاة الإسبان إمبراطورية الآزتيك. وقد زالت أغلب الحضارات التي كانت تعتمد على الزراعة بسبب أوبئة فتاكة. وأحيانا تتعاقب الكوارث على الدولة وتؤدي إلى نهايتها.
الحظ العاثر: تشير تحليلات إحصائية إلى أن بعض الإمبراطوريات انهارت بشكل عشوائي. وقد يرجع ذلك إلى كثرة الحروب والصراعات التي خاضتها من أجل البقاء.
كل هذه العوامل قد تسهم فرادى أو مجتمعة في انهيار الحضارات وزوالها، عندما يعجز المجتمع عن مواجهة الضغوط المتزايدة.
وإذا بحثنا عن هذه المؤشرات في المجتمعات الحديثة، فقد نتمكن من تقييم فرص بقائها أو زوالها.
إذ تشير الأدلة التاريخية إلى أنه كلما تفاقم التغير المناخي وازدادت المجتمعات تعقدا وتشعبا واتسع التفاوت الطبقي وازداد التدهور البيئي، زادت احتمالات الانهيار. وكل هذه العوامل تتفاقم في الوقت الراهن.
إذ أن الفجوة بين الفقراء والأثرياء آخذة في الاتساع. فقد وصل نصيب الأثرياء، الذين يمثلون واحدا في المئة من إجمالي سكان العالم، إلى 20 في المئة من إجمالي الدخل العالمي، وزاد نصيبهم من ثروات العالم من 25 في المئة في الثمانينيات من القرن الماضي إلى 40 في المئة في عام 2016، هذا بخلاف الأموال التي يهربها الأثرياء إلى الملاذات الضريبية.
وتشير دراسات إلى أن مردود إنتاج الوقود الأحفوري ينخفض انخفاضا مطردا، بسبب نضوب بعض الحقول الغنية بالنفط والغاز. ومع الأسف فإن الطاقة المتولدة من مصادر الطاقة المتجددة البديلة للوقود الأحفوري أقل من الطاقة المستثمرة لاستخراجها أو تعادلها.
وقد أشارت دراسات إلى أن تراجع عائد الطاقة المستثمرة قد يؤثر على النمو الاقتصادي لبعض المجتمعات، ما لم تتطور طرق استخراج الطاقة المتجددة لتصبح أقل كلفة.

Friday, February 8, 2019

التهاب الأمعاء: كيف يؤثر الهواء الملوث على صحة أمعائك؟

تعيش في أمعائنا مليارات البكتيريا، والتي يستكشف العلماء تأثيرها على صحتنا ودورها في زيادة أو تقليل مخاطر الإصابة بالأمراض المعدية وكيفية تفاعلها مع أجهزة الجسم وأعضائه، مثل الدماغ، بالإضافة إلى مشكلات أخرى كثيرة لا مجال لحصرها.
ورغم أنه ليس من الواضح بعد كيف يبدو التركيب المثالي لهذا المجتمع الميكروبي في الأمعاء، فهناك شبه إجماع على أنه يتأثر بعوامل البيئة، مثل النظام الغذائي. وأضاف البعض إلى هذه العوامل البيئية تلوث الهواء، والذي رأوا أنه يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض طويلة الأمد. وهذا يعني أن الأمعاء أصبحت أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، في ظل تردي جودة الهواء في المدن حول العالم.
تقول ماري بيدرسن، الأستاذ المساعد بجامعة كوبنهاغن، إن "تركيب المجتمعات الميكروبية قد يتغير من وقت لآخر طيلة مراحل حياتنا لأنه يتأثر بالعوامل البيئية، إذ تحدث الكثير من التفاعلات بين الأمعاء وبين العوامل الخارجية التي نتعرض لها".
وقد كشفت دراسات عن دور العوامل البيئية في الإصابة باضطرابات الأمعاء الالتهابية، التي تشمل داء كرون والتهاب القولون التقرحي، وهما مرضان مزمنان ولم يُكتشف لهما علاج بعد. ويصاب المرء باضطرابات الأمعاء الالتهابية عندما يضعف الجهاز المناعي وتقل كفاءته، وعندها يمضي الجسم في مهاجمة نفسه، أي يهاجم جهاز المناعة خلايا الجسم، بدلا من مهاجمة الأجسام الدخيلة، مسببا تقرحات والتهابات في القناة الهضمية.
تقول جاينا شاه، مديرة المعلومات بمؤسسة مكافحة داء كرون والتهاب القولون التقرحي الخيرية بالمملكة المتحدة "تخيل أن لديك جرحا غائرا لا يندمل أبدا، وهذا الجرح ليس ظاهريا بل يوجد داخل أمعائك. وكلما أكلت أو شربت شعرت بألم شديد كأنك وضعت الملح على هذا الجرح".
وبينما يصيب التهاب القولون التقرحي الأمعاء الغليظة فقط، فإن داء كرون قد يصيب أي جزء من القناة الهضمية. لكن كلا المرضين يمتد تأثيرهما إلى جميع أعضاء ووظائف الجسم تقريبا، من الهرمونات والهضم ومستويات الطاقة إلى الصحة النفسية. وتقول شاه إن المصاب بهذين المرضين يحتاج إلى علاج طيلة حياته، وإذا تطور المرض، فقد يحتاج إلى جراحة.
وتقول شاه "وإلى جانب العامل الوراثي، تزداد احتمالات الإصابة بمرض كرون والتهاب القولون، بسبب استجابة مناعية شاذة تجاه بعض البكتيريا التي تعيش في الأمعاء، وربما يكون سببها مؤثرات بيئية خارجية".
وقد ذكرت بعض الأبحاث أن هذه المؤثرات البيئية قد يكون من بينها الأنظمة الغذائية والضغوط النفسية. لكن ثمة أدلة تشير إلى أن البكتيريا غير المضرة تساعد في تقوية الجهاز المناعي وتدريبه لمحاربة السلالات الأكثر ضررا من البكتيريا، ولهذا فإن البقاء في بيئات خالية من البكتيريا والجراثيم ليس مفيدا للجهاز المناعي.
ويقول جيلاد كابلان، الأستاذ المساعد بجامعة كالغاري والذي أجرى عدة دراسات عن العلاقة بين الأمعاء وتلوث الهواء، إن العوامل الوراثية والعوامل البيئية قد تتسبب في اختلال التوازن بين البكتيريا النافعة والضارة في القناة الهضمية بطرق مشابهة.
ويضيف "اكتشفنا أكثر من 200 طفرة جينية حتى الآن تزيد من خطر الإصابة باضطرابات الأمعاء الالتهابية. وهذه الجينات لها علاقة بالجدار المعوي، وبعضها يؤثر على الطريقة التي تحارب بها الخلايا المناعية، في الجدار المعوي، البكتيريا الضارة".
ويتابع "فكما تؤثر الطفرات الجينية على كفاءة الحاجز المعوي في الوقاية من مسببات الأمراض، كذلك تعوق العوامل البيئية هذه الأنظمة الدفاعية عن القيام بوظائفها. فإذا كنت تحمل طفرة جينية تضعف الجهاز المناعي أو الأمعاء، فهذا يعد مؤشرا على احتمال الإصابة بالمرض".
وهذه النتائج دفعت الباحثين إلى إجراء دراسات عن دور تلوث الهواء في زيادة احتمالات الإصابة باضطرابات الأمعاء الالتهابية، واستدلوا بنتائج دراسات سابقة أثبتت ارتفاع معدلات الإصابة باضطرابات الأمعاء الالتهابية في المدن والبلدان الأكثر تقدما.
وخلص تحليل لدراسات إلى أن أعلى معدلات الإصابة باضطرابات الأمعاء الالتهابية سُجلت في أوروبا وأمريكا الشمالية، بينما يتواصل انتشار المرض في البلدان التي شهدت تطورا صناعيا مؤخرا في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
وبعد تحليل بيانات ما يزيد على 900 مصاب بالاضطرابات المعوية الالتهابية في المملكة المتحدة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، اكتشف كابلان أن داء كرون أكثر انتشارا بين الشباب الأكثر تعرضا لغاز ثاني أكسيد النيتروجين، رغم أنه لم يجد علاقة مباشرة بين حالات الإصابة بالاضطرابات المعوية الالتهابية المشخصة حديثا وبين مستويات تلوث الهواء بشكل عام. كما اكتشف ارتباط زيادة تلوث الهواء بارتفاع معدلات الإصابة بالتهاب الزائدة الدودية وآلام البطن الحادة التي لم يُكتشف لها سبب عضوي.
إلا أن كابلان يقول إن هذه الدراسات التي أجريت على هؤلاء المرضى لم توضح ما إذا كان المصابون قد عاشوا في المناطق التي ترتفع فيها مستويات التلوث لفترة كافية أم لا، كما أنها لا تؤكد العلاقة السببية بين البيانات وبعضها، ولهذا كان لابد من البحث عن الآليات وراء هذه البيانات.
ويحمل الهواء الكثير من الملوثات، مثل أول أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين (المنبعث من محركات الديزل)، والأوزون وثاني أكسيد الكبريت والجسيمات الدقيقة التي تتكون من الغبار وحبوب اللقاح والدخان. ويعد تلوث الهواء أحد المسببات الرئيسية للأمراض والموت، إذ يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض عديدة، مثل أمراض الرئة والنوبات القلبية، والسكتة الدماغية، ومرض ألزهايمر وداء السكري والربو.
لكن العلماء لم يكتشفوا بعد أي الملوثات تحديدا تسبب هذه الأمراض. ويقول كابلان "يستمد معظم الباحثين معلوماتهم من مواقع رصد مستويات الملوثات في كل المدن تقريبا، ولا يدرسون إلا الملوثات الواردة في هذه المواقع دون غيرها، رغم وجود ملوثات أخرى في الهواء تسبب نفس الأضرار".
ويضيف "هناك العديد من الملوثات الأخرى المنبعثة من عوادم السيارات، لكن المدن تقيس مستويات غاز ثاني أكسيد النيتروجين فقط في الهواء، ولهذا يركز عليه الباحثون في دراساتهم ويربطونه بالأمراض، كما هو الحال عند دراسة آثار النيكوتين في السجائر التي تحتوي على الكثير من المواد الكيميائية الأخرى. فمن الصعب تحديد المسبب الأساسي للمرض من بين طائفة من المسببات الأخرى".